من الكساد الكبير إلى 2025.. تاريخ الانهيارات الكبرى في البورصات يعود إلى الواجهة
تشهد الأسواق العالمية في الوقت الراهن موجة جديدة من التقلّبات الحادة والانهيارات المفاجئة التي أعادت إلى الأذهان مشاهد الأزمات الاقتصادية والمالية الكبرى التي عصفت بالعالم خلال العقود الماضية. وفي ظل التوترات الجيوسياسية، والتصعيد التجاري، والمخاوف من الركود العالمي، عادت بورصات الأسهم إلى مسرح الأحداث، مما أثار القلق بين المستثمرين وصناع القرار.
انهيار الأسواق المالية: مشهد يتكرر
يصف الخبراء ما يجري في الأسواق اليوم بأنه “انهيار تاريخي مصغر”، يتشابه في حدته وسرعة تراجعه مع أزمات سابقة كان لها آثار اقتصادية عالمية. ويأتي الانهيار الأخير كرد فعل مباشر على التوترات التجارية بين القوى الاقتصادية الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والصين، وسط غياب الثقة في تدخلات البنوك المركزية.
في هذا السياق، يجدر بنا التذكير بأبرز المحطات التاريخية التي شهدت فيها البورصات العالمية انهيارات غير مسبوقة.
أبرز الانهيارات في تاريخ البورصات:
1. الكساد الكبير – 1929:
شكّل عام 1929 بداية حقيقية لانهيار النظام المالي العالمي. بدأت الأزمة بانهيار بورصة وول ستريت بشكل مفاجئ، مما أدخل الاقتصاد الأمريكي والعالمي في ركود طويل استمر لسنوات. وقد أثبتت هذه الأزمة هشاشة الأنظمة المالية المعتمدة على المضاربات المفرطة وغياب التنظيم.
2. الإثنين الأسود – 1987:
في يوم 19 أكتوبر 1987، شهدت الأسواق العالمية تراجعاً حاداً حيث خسر مؤشر داو جونز أكثر من 22% من قيمته خلال جلسة واحدة فقط. ورغم أن الأزمة لم تكن بسبب خلل اقتصادي جوهري، فإنها كشفت عن مدى تأثر الأسواق بالعوامل النفسية والتقنية في آنٍ معاً.
3. فقاعة الإنترنت – 2000:
مع بداية الألفية الجديدة، أدّى تضخيم قيمة أسهم شركات التكنولوجيا إلى انهيار كبير في مؤشر ناسداك، حيث فقدت أسهم عديدة أكثر من نصف قيمتها. كانت هذه الفقاعة مدفوعة بتوقعات مفرطة للنمو الرقمي دون أسس ربحية واضحة.
4. الأزمة المالية العالمية – 2008:
انطلقت الأزمة من انهيار سوق الرهن العقاري في الولايات المتحدة، ثم انتشرت إلى باقي أنحاء العالم، وتسببت في إفلاس بنوك كبرى مثل ليمان براذرز، وانخفاض حاد في معدلات النمو العالمي، مما تطلب تدخلات غير مسبوقة من البنوك المركزية.
5. جائحة كوفيد-19 – 2020:
في بداية تفشي الفيروس، شهدت الأسواق صدمة عنيفة ترافقت مع انهيارات سريعة في المؤشرات العالمية نتيجة الإغلاق الشامل وغياب الرؤية المستقبلية. إلا أن السياسات التوسعية السريعة من البنوك المركزية ساهمت في تعافي الأسواق بشكل تدريجي لاحقاً.
الأزمة الراهنة: 2025.. التصعيد الصيني يعيد الخوف إلى الأسواق
في مطلع عام 2025، عادت أجواء التوترات إلى الواجهة، بعد تصعيد تجاري حاد بين الصين والولايات المتحدة، أثار موجة من الذعر في الأسواق المالية. جاء الرد الصيني هذه المرة بإجراءات ذات طابع سياسي واقتصادي، مما بعث رسالة واضحة بأن النزاع لم يعد تجارياً فقط، بل أصبح يحمل طابعاً جيوسياسياً أعمق.
وقد أدّت هذه التطورات إلى هبوط جماعي في مؤشرات الأسهم في آسيا وأوروبا وأمريكا، إلى جانب تراجع في ثقة المستثمرين بالأسواق العالمية، وعودة المخاوف من سيناريو “ركود عالمي طويل الأمد”.
ما وراء الانهيار الأخير؟
أولاً: التوترات الجيوسياسية والتجارية
لم يعد الصراع بين القوى الكبرى محصوراً في الرسوم الجمركية أو الاتفاقيات التجارية، بل تطور ليأخذ بُعداً استراتيجياً، حيث أصبحت السياسات المالية أداة ضغط ضمن النزاعات الدولية.
ثانياً: فقدان الثقة
أظهرت الأسواق حساسية مفرطة تجاه التصريحات السياسية المتبادلة، ومع غياب مؤشرات واضحة على حلول وشيكة، تراجعت الثقة بشكل عام، وأصبح المستثمرون أكثر ميلاً لتسييل الأصول عالية المخاطر.
ثالثاً: هشاشة الانتعاش العالمي
الانتعاش الاقتصادي الذي تلا جائحة كوفيد-19 لا يزال هشاً، إذ لم تتعافَ بعض القطاعات بشكل كامل. وقد ساهمت الصدمات الجديدة في تعميق التحديات التي يواجهها الاقتصاد العالمي، مثل التضخم وارتفاع أسعار الفائدة والديون الحكومية.
السيناريوهات المحتملة للفترة القادمة
استناداً إلى المؤشرات الحالية، يمكن تحديد عدد من السيناريوهات التي قد تشكّل ملامح الأسواق في الأشهر المقبلة:
- ارتفاع محتمل في معدلات الركود في الولايات المتحدة وأوروبا، خاصةً مع تقلص الاستثمارات وضعف النمو الاستهلاكي.
- تحول المستثمرين نحو الملاذات الآمنة مثل الذهب والفرنك السويسري وسندات الخزينة الأمريكية، مع تجنّب أسواق الأسهم.
- تدخلات غير تقليدية من البنوك المركزية، تشمل خفض الفوائد مجدداً أو إطلاق حزم تحفيز مالي جديدة.
- مراجعة السياسات التجارية الدولية، مع احتمالية نشوء تحالفات اقتصادية جديدة لمواجهة التحولات الجيوسياسية.
خلاصة: هل نحن أمام انهيار آخر طويل الأمد؟
تُظهر المؤشرات الحالية أن الأسواق المالية تمرّ بمرحلة غير مسبوقة من الضبابية، حيث تتداخل العوامل الاقتصادية مع الجيوسياسية، مما يصعّب التنبؤ بمسار الأسواق. إلا أن الخبرة المستقاة من الأزمات السابقة تشير إلى أن التعافي ممكن، لكنّه يتطلب سياسات مالية ونقدية منسقة، وثقة مستدامة من المستثمرين في استقرار الأنظمة العالمية.
من هنا، فإن الاستعداد للأسوأ من خلال تنويع الاستثمارات، وتبنّي استراتيجيات تحوّط فعّالة، يمثلان خط الدفاع الأول أمام أي أزمة مالية مقبلة.
