العلاقة بين الهيكل السعري والسيولة: كيف تفسر تحركات السوق من منظور احترافي؟
في عالم الأسواق المالية، خاصة سوق الفوركس، يتكرر السؤال ذاته بين المتداولين المبتدئين: لماذا يتحرك السعر بهذه الطريقة؟ ولماذا تفشل بعض التحليلات رغم أنها تعتمد على المؤشرات الفنية والأنماط الكلاسيكية؟
الإجابة المختصرة: لأن معظم التحليلات تركز على النتيجة وليس على السبب الحقيقي لتحرك السوق.
السبب يكمن في عاملين محوريين: الهيكل السعري والسيولة. هذان المفهومان يمثلان الأساس الذي تعتمد عليه المؤسسات المالية الكبرى في بناء قراراتها التداولية.
ما هو الهيكل السعري؟ ولماذا هو أساس الفهم الصحيح للسوق؟
الهيكل السعري (Market Structure) هو ببساطة الطريقة التي يرتب بها السوق القمم والقيعان على الرسم البياني. لكنه في الحقيقة يحمل دلالات أعمق بكثير من مجرد نمط بصري:
- في الاتجاه الصاعد: يكوّن السوق قيعان أعلى من السابقة (Higher Lows) وقمم أعلى (Higher Highs).
- في الاتجاه الهابط: تتكون قيعان أدنى (Lower Lows) وقمم أدنى (Lower Highs).
- في حالة النطاق العرضي: يتحرك السوق أفقيًا بين مستويات دعم ومقاومة، دون اتجاه واضح.
لكن الخطأ الذي يقع فيه الكثيرون هو الاكتفاء بتحديد الاتجاه، دون الغوص في تفاصيل السلوك السعري داخل هذا الاتجاه. فالمؤسسات لا تنتظر تأكيد الاتجاه كما يفعل الأفراد، بل تتحرك داخل تلك الهياكل وفقًا لخطط واضحة لجمع السيولة.
السيولة: المحرك الخفي للسوق
قبل أن نناقش العلاقة بين السيولة والهيكل السعري، دعنا نطرح السؤال التالي:
هل السعر يتحرك بسبب الأخبار، أم لأنه يجب أن يتحرك؟
الجواب الأكثر دقة: السعر يتحرك بحثًا عن السيولة.
السيولة (Liquidity) هي مجموع الأوامر الموجودة في السوق، وبدونها لا يمكن تنفيذ أي صفقة. ولهذا فإن المؤسسات تبحث دومًا عن أين تتواجد أوامر المتداولين الأفراد، لتستغلها في تنفيذ صفقاتها الكبيرة.
أمثلة على أماكن تجمّع السيولة:
- فوق القمم السابقة: عادةً ما يتمركز عدد كبير من أوامر الشراء المعلقة (Buy Stops).
- تحت القيعان السابقة: توجد أوامر بيع معلقة (Sell Stops).
- عند مناطق التردد أو التكدس السعري: تُعتبر مناطق مثالية لجمع السيولة المخفية.
المؤسسات لا “تلاحق” السعر، بل تخلق ظروفًا تجعل المتداولين الأفراد يُظهرون نواياهم، ثم تتصرف بناءً على تلك النوايا.
العلاقة بين الهيكل السعري والسيولة: كيف يُكمل كل منهما الآخر؟
لفهم هذه العلاقة، عليك أولًا أن تفهم أن الهيكل السعري لا يُمثل فقط الاتجاه، بل يُحدد المناطق التي ستُستهدف من قبل السيولة المؤسسية.
مثال تطبيقي:
لنفترض أن السوق في اتجاه صاعد، وقد تشكلت قمة واضحة. في هذا السيناريو:
- المتداولون يتوقعون استمرار الاتجاه، فيضعون أوامر شراء فوق القمة (Buy Stops).
- تأتي المؤسسات وتدفع السعر لاختراق القمة بشكل قوي.
- بعد جمع السيولة، ينعكس السعر مباشرة في الاتجاه المعاكس.
- ينهار السوق، ويبدأ هيكل سعري هابط جديد.
هذا ما يُسمى بـ”استنزاف السيولة في نهاية الهيكل”، وهو من أكثر الأساليب شيوعًا في الأسواق الاحترافية.
خطوات عملية لفهم تحركات السوق من خلال الهيكل والسيولة
إذا أردت أن تتداول باحتراف، يجب أن تطبق منهجًا تحليليًا متكاملًا يجمع بين هذين العنصرين. إليك الخطوات الأساسية:
1. حدد الاتجاه باستخدام الهيكل السعري
ابدأ بتحديد ما إذا كان السوق صاعدًا، هابطًا، أو يتحرك عرضيًا. هذا يحدد الإطار العام لتحليلك.
2. ارسم مناطق السيولة
استخرج القمم والقيعان السابقة، المناطق التي تحتوي على فجوات سعرية (Gaps)، أو تلك التي شهدت حركات مفاجئة في الماضي.
3. راقب التفاعل مع هذه المناطق
هل كسر السعر منطقة سيولة ثم عاد بسرعة؟ هل ظهرت شموع انعكاسية بعد الكسر؟ هذه إشارات على أن السوق يستخدم السيولة لتغيير الاتجاه.
4. انتظر تأكيد التغير في الهيكل
ظهور نماذج مثل CHoCH (Change of Character) أو الكسر الكاذب (Fake Breakout) مؤشر قوي على أن السيولة قد تم استهلاكها.
5. نفّذ الصفقة فقط بعد ظهور التأكيد السعري
لا تدخل قبل رؤية إشارات واضحة مثل شموع ابتلاعية (Engulfing) أو رفض سعري (Rejection Wick) في مناطق السيولة.
كيف تفكر المؤسسات؟ ولماذا يتكرر نمط الفخاخ السعرية؟
المؤسسات تفكر على مبدأ بسيط: “إذا أردت أن أشتري، أحتاج من يبيع”. ولجمع السيولة الكافية، تُجبر المتداولين على فتح مراكز في الاتجاه الخاطئ.
مثال:
- في اتجاه صاعد، تدفع المؤسسات السعر لكسر قمة قوية.
- يتسارع المتداولون لفتح صفقات شراء.
- تدخل المؤسسات على الجانب المعاكس (بيع).
- ينهار السعر، وتُغلق صفقات المتداولين بخسائر.
- تبدأ المؤسسات بجني الأرباح بعد أن “جمعت السيولة”.
هذا النموذج يتكرر مرارًا، ويُعرف باسم فخ السيولة (Liquidity Trap)، ولا يمكن فهمه بدقة دون دمج الهيكل السعري والسيولة في التحليل.
الخلاصة: هل تفهم ما يفعله السوق فعلًا؟
السوق لا يتحرك لمجرد وجود أخبار، ولا بناءً على تحليل مؤشر فني تقليدي. بل يتحرك لأن هناك سيولة يجب جمعها، وأوامر يجب تنفيذها.
إذا أردت أن تنتقل من متداول يتبع الحركة، إلى متداول يفهم لماذا تتحرك الأسعار، فعليك أن تتقن:
- قراءة الهيكل السعري.
- تحديد مناطق السيولة بدقة.
- مراقبة التفاعل بين السعر وهذه المناطق.
- الصبر حتى ظهور إشارات التأكيد.
هذه هي الأدوات التي يستخدمها المحترفون، وتُدرّس في أرقى مدارس التحليل السعري مثل منهج ICT وSmart Money Concepts.
